ابراهيم بن عمر البقاعي

416

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما أخبر سبحانه عما له وحده ، وكان محط أمر الإنسان بل جميع الحيوان على الهداية إلى مصالحه ليفعلها ومفاسده ليتركها ، وأرشد السياق إلى أن التقدير : فمن أخلص له الدين هداه في جميع أموره ، وإن اشتد الإشكال ، وتراكمت وجوه الضلال ، عطف عليه الإخبار عمن لزم الضلال ، والغي والمحال ، فقال محذرا من مثل حاله ، بما حكم عليه في مآله : وَالَّذِينَ ولما كان الإنسان مفطورا على الخضوع للملك الديان ، ولا يلتفت إلى غيره إلا بمعالجة النفس بما لها من الهوى والطغيان ، عبر بصيغة الافتعال فقال : اتَّخَذُوا أي عالجوا عقولهم حتى صرفوها عن اللّه فأخذوا ، ونبههم على خطئهم في رضاهم بالأدنى على الأعلى بقوله : مِنْ دُونِهِ ومعلوم أن كل شيء دونه أَوْلِياءَ أي يكلون إليهم أمورهم ، ويدخل فيهم الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه مع اعترافهم بأن اللّه تفرد بخلقهم ورزقهم . ولما كان من العجب العجيب فعلهم ، هذا بين ما وجهوا به فعلهم ليكون آية بينة في أنه لا هدى لهم فقال : ما أي قائلين لمن أخلصوا له الدين إذا أنكروا عليهم أن يتخذوا من دونه وليا : ما نَعْبُدُهُمْ لشيء من الأشياء إِلَّا لِيُقَرِّبُونا ونبه سبحانه على بعدهم عن الصواب بالتعبير بالاسم الأعظم مع حرف الغاية فقال : إِلَى اللَّهِ الذي له معاقد العز ومجامع العظمة ، تقريبا عظيما على وجه التدريج ويزلفونا إليه زُلْفى أي تقريبا حسنا سهلا بهجا زائدا ناميا متعاليا ، قال القشيري : ولم يقولوا هذا من قبل اللّه ولا بإذنه ، وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم ، فرد اللّه عليهم ، وفي هذا إشارة إلى ما يفعله العبد من القرب بنشاط نفسه من غير أن يقتضيه حكم الوقت ، فكل ذلك اتباع هوى - انتهى - والآية من الاحتباك : ذكر فعل التقريب أولا دليلا على فعل الزلف ثانيا ، واسم الزلف ثانيا دليلا على الاسم من التقريب أولا ، وسره أنهم أرادوا بهذا الاعتذار المسكت عن قبيح صنيعهم ، فأتى سبحانه في حكايته عنهم بالتأكيد على أبلغ وجه لأن الدلالة على المعنى بلفظين أجدر في ثباته وتكثيره من لفظ واحد ، وبدأ ، بأرشق الفعلين وأشهرهما وأخفهما وأوضحهما ، وقد خسر لعمري غاية الخسارة قوم تمذهبوا بأقبح المذاهب وجعلوا عذرهم هذه الآية التي ذم اللّه المعتذر بها ، وعلى ذلك فقد راج اعتذارهم بها على كثير من العقول ، وهم أهل الاتحاد الذين لا أسخف من عقولهم ولا أجمد من أذهانهم . ولما كان إنما محط دينهم الهوى ، وكان كل من تبع الهوى لا ينفك عن الاضطراب في نفسه ، فكيف إذا كان معه غيره فكيف إذا كانوا كثيرا فيكثر الخلاف والنزاع ، وإن لم يحصل ذلك بالفعل كان بالقوة ، ولذلك كان لكل قبيلة ممن يعبد